أخبار وتقارير

من أوكرانيا إلى بولندا .. شهادة مصري وعراقي عن قوافل الطلاب في زمن الحرب

على غير ما كانت ترسمه مخيلاتهم عن الانتقال من بلد إلى آخر خلال سنوات الدراسة، عاش الطلاب العرب في جامعات أوكرانيا، طيلة الأيام الماضية، وحتى لحظة نشر هذا التقرير، أوقاتًا عصيبة بسبب الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية.

ومع دخول القوات الروسية العاصمة الأوكرانية كييف، كان هؤلاء الطلاب من بين أكثر من مليون لاجئ اضطرتهم الحرب إلى الهرب من الدولة الواقعة في شرق أوروبا، وفق إحصاء للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

نزوح جماعي

بعد يوم واحد من إطلاق موسكو عمليتها العسكرية نحو جارتها أوكرانيا، استيقظ العراقي حسين الربيعي، طالب الماجستير في هندسة الطيران، صبيحة الخامس والعشرين من شباط/فبراير المنقضي، على دوي عمليات القصف. حاول الطالب الشاب مغادرة كييف على الفور، لكن ذلك لم يكن سهلًا.

وقال «الربيعي» في رسالة صوتية لـ«الفنار للإعلام» إنه تمكن، في اليوم التالي، من مغادرة العاصمة الأوكرانية، مستقلًا سيارة صديق له، قاصدين مدينة لفيف. كانت معظم الصعوبات متعلقة بالنزوح الجماعي للأشخاص الفارين من الحرب. وأوضح أنه بعد أيام من فراره، أصبحت الطرق المؤدية إلى لفيف «المدينة الأكثر أمانًا في غرب أوكرانيا، أكثر صعوبة بسبب الحواجز الخرسانية ونقاط التفتيش».

رحلات صعبة ومكلفة

عادة ما تستغرق الرحلة بالسيارة من كييف إلى لفيف، من ست إلى سبع ساعات (يفصل بين المدينتين نحو 540 كلم)، لكن الأمر استغرق يومين في رحلة «الربيعي». ومضى الطالب العراقي يسرد ما جرى، قائلًا: «كنا نتقدم ببطء شديد. في الطريق إلى الحدود، كان تعامل الأوكرانيين جيدًا جدًا. قدموا لنا الوجبات والمساعدات».

«أخبرني الطلاب العراقيون في كييف أنه لا سبيل للفرار الآن. القطارات لا تزال تعمل لكنها مزدحمة للغاية، والمخارج من كييف لم تعد آمنة أيضًا».

حسين الربيعي
طالب عراقي انتقل من أوكرانيا إلى بولندا

رغم ذلك، لم يوفق حسين الربيعي، وطالب آخر كان يرافقه الرحلة، في اختيار أفضل المعابر الحدودية نحو بولندا. قال: «لسوء الحظ، وجدنا أنفسنا في ممر صعب ومزدحم للغاية».

في سياق مماثل، تمكن محمد شاكر، طالب الطب المصري بجامعة خاركوف الطبية الوطنية، واثنان من زملائه، من مغادرة ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا، في الوقت المناسب. وقال لـ«الفنار للإعلام»: «غادرنا خاركوف قبل 40 دقيقة من فرض السلطات الأوكرانية حظر تجول (تم رفع الحظر لاحقًا)». وبينما كانت الحدود مع رومانيا أقل ازدحامًا، أجبرت التكلفة المرتفعة لسيارات الأجرة، الطلاب الثلاثة على الذهاب إلى بولندا.

قال «شاكر»: «دفع كل واحد منا 150 دولارًا لقطع مسافة 150 كيلومترًا للوصول إلى الحدود». وأضاف أن سائقي سيارات الأجرة الأوكرانيين «استغلوا مثل هذا الوضع، وطلبوا حوالي 400 دولار من كل شخص، لنقلنا إلى حدود رومانيا، حيث العبور أسهل، مقارنة بالحدود البولندية التي شهدت اشتباكات، وقيودًا على بعض الجنسيات».

خمسة أيام على الحدود

بعد خمسة أيام قاسية على الحدود، وجد «الربيعي» أن العديد من نقاط العبور الأخرى أفضل. وشرح الوضع بالقول: «كانت النقاط الأبعد عن مدينة لفيف أقل ازدحامًا. تمكّن أصدقاؤنا الذين مروا بتلك النقاط من المغادرة في غضون ساعات، والبعض استغرق يومًا واحدًا، أما المعبر الذي اخترناه، فكان فظيعًا».

في ضوء تلك المعطيات، فضّل «شاكر» مغادرة المعبر الحدودي المزدحم، عبر الانتقال إلى مخرج أكثر سلاسة بدلًا من الانتظار. وقال إن السلطات البولندية «كانت ودودة للغاية، كما قدم لنا الأوكرانيون وجبات، وشرائح اتصال مزودة بالإنترنت لهواتفنا المحمولة، وعروضًا لاستضافتنا في منازلهم».

وبمجرد وصوله إلى حدود بولندا، استغرق الأمر من «الربيعي» خمس دقائق فقط لختم جواز سفره. قال: «كانوا لطفاء للغاية. قدموا المأوى والطعام لمن لا مأوى لهم. بعض أصدقائي الآن يعيشون في المخيمات الحدودية. كما وفرت السفارة العراقية خطوطًا ساخنة لمساعدة 450 طالبًا عراقيًا».

وفيما تشير تقارير إلى ممارسات تمييزية ضد اللاجئين غير الأوروبيين، قال «شاكر» إن «البعض من العرب، والهنود، والباكستانيين، والأفارقة، واجهوا إهانات وقيودًا على عبورهم في بداية الأزمة».

ومن واقع تجربته، قال «الربيعي»: «لم نواجه أية عنصرية على الإطلاق. بالطبع، أعطيت الأولوية للعائلات وكبار السن، مما جعل الشباب ينتظرون لوقت أطول في البرد. ومع ذلك، هذا أمرٌ مفهوم تمامًا. علاوة على ذلك، قد يسيء بعض اللاجئين من جميع الجنسيات التصرف، ما قد يؤدي إلى حدوث بعض الاحتكاكات».

«سائقو سيارات الأجرة الأوكرانيون استغلوا الوضع، وطلبوا حوالي 400 دولار من كل شخص، لنقلنا إلى حدود رومانيا، حيث العبور أسهل، مقارنة بالحدود البولندية التي شهدت اشتباكات، وقيودًا على بعض الجنسيات».

محمد شاكر
طالب مصري بجامعة خاركوف الطبية الوطنية – أوكرانيا

«ما زالوا عالقين»

من وارسو، قال «الربيعي» إن العديد من الطلاب العراقيين والعرب الآخرين «ما زالوا عالقين» في كييف، وخاركوف، ومدن أخرى. وأضاف: «أخبرني الطلاب العراقيون في كييف أنه لا سبيل للفرار الآن. القطارات لا تزال تعمل لكنها مزدحمة للغاية. والمخارج من كييف لم تعد آمنة أيضًا». ويطالب حسين الربيعي، السفارات، والسلطات المعنية، بمساعدة رعاياها من الطلاب والمواطنين. ويقول إن العالقين «ليس لديهم طعام أو ماء». كما يدعو إلى توفير ممرات آمنة، وتشكيل لجان على الحدود لمساعدة الطلاب.

وبحسب شهادة «الربيعي»، و«شاكر»، فقد سمحت بولندا للطلاب بالبقاء لمدة 53 يومًا، لتسوية أوضاعهم والعودة إلى بلدانهم، عن طريق رحلات الإجلاء الجوي التي تنظمها سفاراتهم.

وفي مقابل الراغبين في العودة إلى أوطانهم، قال «الربيعي»، الذي حصل على شهادة الماجستير في 23 شباط/ فبراير، إنه قرر «البقاء في بولندا»، مشيرًا إلى أن بعض الطلاب «يريدون البقاء في أوروبا» والبعض الآخر «يريدون الانتظار لنحو عشرين يومًا لمعرفة ما سيحدث في أوكرانيا». وأوضح أن معظم الطلاب «يعيشون في حالة ذعر، ويشعرون بالقلق حيال مستقبلهم التعليمي». وأشار إلى أنه بسبب الانشغال بالحرب «لم يقدم المسؤولون الأوكرانيون إجابات للطلاب بشأن المستقبل».

أعجبتك القصة؟ اشترك مجاناً في نشرتنا البريدية للحصول على المزيد من القصص.

ويقف الطلاب الذين لم يكملوا دراستهم بعد، أمام خيارات أشد وطأة. وعلى أمل أن تتوقف الحرب قريبًا، اختار «شاكر» أيضًا عدم العودة إلى مصر، «حتى يتمكن من إجراء اختبار نهائي واحد يفصله عن التخرج». وقال: «أخشى العودة إلى مصر حاليًا دون الحصول على شهادتي التي تثبت دراستي للطب. في ظل الوضع الراهن، لن يعترف أحد بدراستي، لا في أوروبا ولا في مصر. هذه عقبة ضخمة يتوجب عليّ التغلب عليها».

اقرأ أيضًا: 

عن الحرب ورحلة العبور من الموت العشوائي.. طلاب جزائريون يروون لـ«الفنار للإعلام» قصصهم في أوكرانيا.

«اتصالات بلا جدوى ولا ممرات آمنة».. «فرانس برس» ترصد معاناة الطلاب العرب في أوكرانيا.

الحرب في أوكرانيا تربك خطط الطلاب العرب.. وعقبات أمام العودة إلى الديار.

تصاعد الأزمة الأوكرانية يضع الطلاب والباحثين العرب في مأزق نادر.

Countries

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى